محمد متولي الشعراوي

1837

تفسير الشعراوى

عليه وسلم قد حذرهم من ذلك وقال لعبد اللّه بن جبير الذي أمّره على الرماة : « أنضح عنا الخيل بالنّبل ، لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك لا نؤتين من قبلك » « 1 » ، ولكنهم خالفوا عن أمر رسول اللّه . والمسألة الرابعة هي : فرارهم حينما قيل : قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمسألة الخامسة : أنه حين كان يدعوهم ؛ فروا لا يلوون على شئ . كل تلك أحداث كادت تترك في نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم آثارا ، فكأن اللّه سبحانه وتعالى يقول : أنا طبعتك على رحمة تتسع لكل هذه الهفوات ، والرحمة منى ، وما دامت الرحمة موهوبة منى فلابد أنى جعلت فيك طاقة تتحمل كل مخالفة من أمتك ومن أتباعك . ولا تظن أنك قد أرسلت إلى ملائكة ، إنما أرسلت إلى بشر ، والبشر خطاءون ، البشر من الأغيار ، فلهذا اجعل المسألة درسا ، وأنا فطرتك على الرحمة ، وأنت بذاتك طلبت منى كثيرا من الخير لأمتك ، ومن رحمته أن جبريل نادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث اللّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال : فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال : يا محمد إن اللّه قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك ، فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « بل أرجو أن يخرج اللّه من أصلابهم من يعبد اللّه وحده ولا يشرك به شيئا » « 3 » . فأنا أطلب منك الرحمة التي أودعتها في قلبك فاستعملتها في كل مجال ، وبهذه الرحمة لنت لهم ، وبهذه الرحمة التفّوا حولك ، التفوا حولك لأدبك الجم ، ولتواضعك الوافر ، لجمال خلقك ، لبسمتك الحانية ، لنظرتك المواسية ، لتقديرك لظرف كل واحد حتى إنك إذا وضع أي واحد منهم يده في يدك لم تسحب يدك أنت حتى يسحبها هو ، خلق عال ، كل ذلك أنا أجعله حيثية لتتنازل عن كل تلك الهفوات وليسعها خلقك وليسعها حلمك ، لأنك في دور التربية والتأديب . والتربية والتأديب لا تقتضى أن تغضب لأي بادرة تبدر منهم ، وإلا ما كنت مربيا ولا مؤدبا .

--> ( 1 ) الدر المنثور للسيوطي ح 2 ص 68 . ( 2 ) عند عودته من الطائف وقد آذاه أهلها . ( 3 ) رواه البخاري في بدء الخلق ، ورواه مسلم في الجهاد ، و [ الأخشبان ] جبلان في مكة ، أبو قبيس والذي يقابله ويسمى قعيقعان أو هو الجبل الأحمر الذي يشرف عليه وسمى الجبلان بالأخشبين لصلابتهما وغلظ حجارتهما .